يرى الكاتب أن فكرة تحويل مصر إلى مركز إقليمي لتخزين وتجارة الحبوب تستند إلى موقعها الجغرافي المتميز وشبكة الموانئ المتطورة وقدرات التخزين المتنامية. غير أن نجاح هذا المشروع يواجه تساؤلات جدية تتعلق بالجدوى الاقتصادية في سوق عالمية شديدة الحساسية للأسعار. ويشير التقرير إلى أن مصر تسعى لاستغلال موقعها بين أوروبا وآسيا وأفريقيا من أجل لعب دور محوري في سلاسل إمداد الغذاء الإقليمية، مستفيدة من الدروس التي كشفتها اضطرابات التجارة العالمية خلال السنوات الأخيرة.


ويذكر تقرير إنتربرايز أن الحكومة المصرية كثفت تحركاتها منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، فطرحت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس مركزًا لإعادة تصدير الحبوب الأوكرانية إلى أفريقيا، ثم وسعت خططها لتشمل شراكات مع البرازيل وروسيا بهدف إنشاء مراكز لوجستية وممرات تجارية للحبوب والطاقة.


تحديات اقتصادية تضغط على المواطنين
 

يرتبط هذا التوجه بمحاولات الدولة تعزيز الأمن الغذائي وتنويع مصادر الإمدادات، إلا أن الواقع الاقتصادي يفرض تحديات معقدة. فمصر ما تزال من أكبر مستوردي القمح في العالم، إذ تعتمد بصورة كبيرة على الأسواق الخارجية لتلبية احتياجاتها الغذائية. وفي ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، يكتسب ملف الغذاء حساسية اجتماعية متزايدة.


ويؤكد خبراء أن تجارة الحبوب تختلف جذريًا عن تجارة النفط أو الطاقة. فهامش الربح محدود للغاية، بينما تؤثر تكاليف النقل والتخزين والمناولة بصورة مباشرة في الجدوى الاقتصادية. لذلك يثير مشروع إعادة التصدير تساؤلات حول قدرة مصر على منافسة الموردين المباشرين مثل روسيا والبرازيل، خاصة أن الدول المستوردة تستطيع شراء الحبوب من المصدر بأسعار أقل دون تحمل نفقات إضافية.


كما تواجه المنظومة اللوجستية عقبات أخرى، من بينها ارتفاع تكاليف النقل الداخلي وتأخر بعض الإجراءات التنظيمية داخل الموانئ، وهو ما يزيد الأعباء على التجار والمستوردين. وينعكس ذلك في النهاية على أسعار السلع الغذائية التي يتحمل المواطن الجزء الأكبر من آثارها، خصوصًا الفئات محدودة ومتوسطة الدخل التي تعاني أصلًا من ضغوط اقتصادية متواصلة.


التخزين وحده لا يصنع مركزًا تجاريًا


رغم توسع الدولة في إنشاء الصوامع وزيادة الطاقة التخزينية، يرى متخصصون أن التخزين لا يكفي لبناء مركز تجاري إقليمي ناجح. فقد صُممت الصوامع أساسًا لتأمين احتياجات السوق المحلية وتحسين إدارة المخزون الاستراتيجي، وليس لتحويل البلاد إلى منصة عالمية لتجارة الحبوب.


ويشير التقرير إلى أن تجارب مشابهة طُرحت سابقًا داخل مصر وفي دول أخرى، لكنها واجهت صعوبات مرتبطة بضعف العائد التجاري مقارنة بحجم الاستثمارات المطلوبة. كما أن نشاط العبور والتخزين يحقق عوائد محدودة مقارنة بالأنشطة الصناعية والتحويلية ذات القيمة المضافة المرتفعة.


التصنيع الغذائي طريق أكثر استدامة


يرى عدد من الخبراء أن الفرصة الحقيقية تكمن في التوسع في الصناعات الغذائية المرتبطة بالحبوب بدلًا من الاكتفاء بالتخزين وإعادة التصدير. فإضافة قيمة للمنتجات عبر الطحن والتصنيع والتعبئة يمكن أن ترفع العوائد الاقتصادية وتوفر فرص عمل جديدة وتدعم الصادرات المصرية.
 

ويستشهد التقرير بتجارب دول نجحت في استيراد الحبوب ثم تحويلها إلى منتجات غذائية ذات قيمة أعلى قبل إعادة تصديرها إلى الأسواق الخارجية. كما سجلت صادرات الدقيق المصرية نموًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، ما يعكس إمكانية تطوير هذا المسار ليصبح مصدرًا مستدامًا للدخل.
 

ويخلص التقرير إلى أن نجاح مصر في بناء دور إقليمي مؤثر في تجارة الغذاء لن يعتمد فقط على الموقع الجغرافي أو قدرات التخزين، بل سيتوقف على قدرتها على تطوير الصناعات التحويلية وتحسين الكفاءة اللوجستية وخلق قيمة مضافة حقيقية. وفي ظل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي يواجهها المواطن المصري، يبقى الهدف الأهم هو تعزيز الأمن الغذائي وتخفيف أعباء المعيشة قبل البحث عن دور تجاري إقليمي واسع النطاق.

 

https://enterpriseam.com/egypt/2026/06/02/does-the-economics-of-a-regional-grain-hub-in-egypt-actually-make-sense/